الأربعاء، 31 أغسطس 2011

مثقفـــــون برتبـــة كتـــاب تقاريـــــــر


وفي صدد الحديث عن تلك السنة الكونية سنة الصراع بين الحق والباطل استوقفني ثمة شيء يمزج بين الباطل العميق وعدم احترام الإنسان لآدميته العميقة أيضا ، واقصد هنا المثقفون على اختلاف أنواعهم وتفاوت ثقافتهم سواءا كانوا كتابا أو شعراء أو مبدعون بحسب وصف المجتمع والواقع الذي نتعايش فيه لهولاء .
وقبل الخوض في حقيقة ما رأيته من هولاء المثقفون
أو من يدعون الثقافة .. ارغب أن أطلق تسمية أو مصطلحاً على المثقف ومن يدعي في شأن من شئون ثقافته أنه كاتبا أو شاعرا أو مفكرا اسميه بـ(صاحب الآدمية العميقة) ، لأنه انسانا متفردا ومميزا فوجب أن تكون له خصائص تميزه عن غيره من الناس . . فمثلا ان سألنا عن شيء مميز في رجل عادي وجدنا فيه شيئان ..
نعم صاحب الآدمية العميقة وإذا لم يكن هناك فارق بين الفرد العادي في المجتمع والفرد أو المثقف على مستوى الظاهري والمستوى الموضوعي .. فما فائدته اذن للمجتمع الذي يعيش فيه والذي يصفه بالمبدع والمفكر ؟ .
فمن جانبي افترض في الكاتب والشاعر والمفكر آدمية عميقة تحولت من مرحلة الصحة من منظور حكم البشر على الأشخاص إلى منظور الاكتمال بحسب الزاوية والركن الذي يمثله إبداعه .. فمثلا الشاعر افترض فيه آدمية عميقة تتخطى حدود عواطف البشر العاديين بدقة في الإحساس بمن حوله والعطف عليهم ، لان إبداعه افترضه لنفسه في هذا الشيء وافترض المجتمع فيه ذلك ليراه ظاهرا وموضوعا بهذا المنظور والقياس لكل حالة مشابهه .
وما أحسست به قبل زوال النظام السابق ""أن بعضا ممن ينسبون لأنفسهم الثقافة والإبداع كانوا عيونا تخابر علينا وتخابر على أنفاسنا في حال صراخها معهم من هول ما رأيناه وما نراه من هول الفساد في الوطن " وتأكد لي خيانتهم لمبادئ المثقف صاحب الضمير اليقظ الذي لا يرضى بالظلم على وطنه واهله ، تأكد بعض سقوط كل الأقنعة الزائفة عن الوطن بأشخاصه الزائفون ولكن ذلك أتى بما يمثله من صدمة شديدة على قلبي الذي التمس له عذر الإرهاق بعد مشاجرة شديدة فيما بينه وبين العقل على فيض معقول هذا الأمر ومقبول أم غير مقبول .
ما أشد المعصية! .. عندما تأتي من الطائعين ومن يوجهون الناس الى الطاعة بانواعها سواء كان توجيههم لطاعة الرب أو القانون .. فكما صدمنا القدر في حاكم لمصر كنا قد التمسنا فيه مباديء الوطنية الخالصة والتضحية والفداء من اجل الوطن الذي تربينا عليه كلا بحسب بيئته المختلفة سواءا كانت مدنية أو قبلية أو ريفية ، إلا أنه اظهر خيانة لوطنه وشعبه كانت تتضح ضمنا وتأكدت حقيقة بعدما فتحت الملفات بدون حواجب وحواجز .. كانت تظهر خيانته لقسم الوطن والدين مع كل صرخة مريض أصابه المرض جراء فساده وفقير أصابه الفقر جراء التمييز الاجتماعي ومع صرخة كل شهيد قتل بيده وبيد اتباعه .
وما اشد خيانة على قلبي من خيانة قد لاقيتها من ثمة من هولاء المثقفون .. وحيث كنت أتحدث بعين الصداقة وبعين القلب الذي تربى على الحرية.. فإذا بها تصرخ في كل سامر ومجلس لترفض وتعارض ما كان يحدث ويحدث حتى الآن على ارض مصر .. فإذا بهم عيونا ترصد وترقب لتخبر وتخابر وتحذر بعد ذلك .
والحقيقة برأيي انه كما كان لكل قوم نبي بعث فيهم برسالة الدين ليكون نبي أو رسول حالة ، فيأتى بإصلاح وبهدى شامل كرسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم .. فأنني أرى أن المثقفون أو أصحاب الآدمية العميقة كما سميتهم سابقاً هم أنبياء ركن ، بحسب اركانهم التي تخصصوا فيها ومدى سمو رسالتهم بسمو ما يعطونه للمجتمع في مجالاتهم ، فيصح أن أقول أن فلان رسول الشعر أو رسول فكر ولهذا يجب أن يكون الشغل الشاغل لكل من يصفهم المجتمع بالمثقفون والمبدعون أو ينسبون لأنفسهم ذلك أن ينشغلوا دوما بسلوكياتهم التي يجب أن تناسب دوما وتبحث عن الترابط بين الفرض الذي يجب أن تكون عليه وبين أفعالها في الواقع ..
وليس من أصوليات ومباديء رجال الثقافة والفكر والإبداع الحقيقي أو حتى من مسلك الفرد العادي أن يكون المثقف رجل مخابرات يتخابر لصالحة الأمن على حريات الآخريات ويكون عصا الأمن التي يهش بها أحيانا لتحذر وتنذر أو تخيف ..
ومن اجل ما سبق أتحدث في مظهر من غموض بمبدأ ستر عورات الآخرين اكتفاءا بأن من تعرى يعلم عورته.. واناشد بعض المثقفون حاضرا أن يحترموا خصوصية حالتهم وان يكتفوا بما قدمته عيونهم من تلصص وتجسس على الآخرين في حق عهد فاسد منقضي وينصرفوا ليتوب إلى الله عن كتابة التقارير مرة أخرى وحرق اللاحق منها ولا يتحير في ذلك ، ويترك كتابة التقرير لمن يختص بهذا الشأن ممن يحبسون حريات الآخرين قولا وفعلا في كل زمان ومكان .
فالحقيقة التي أومن بها أن لكل عصر فاسدوه ولن تخلو مصر حتى بعد الثورة من بعض من يعدون على شعبها الأنفاس والحريات .. نعم يعدوها علينا في نسبة وتناسب من منظور الصالح الخاص الخفي الذي يظهر ليمتطي الصالح العام الظاهر .
واني أقول ذلك ليس من منظور الخوف أو التخوف من شيء ، وانما للنصح حتى نتقدم بأوطاننا ولأنني لا المس التقدم في وطن عندما يذهب المصلون فيه الى مسجد يجدوه حانة للشراب لا صرحا للعباده كما حدث معي وذهبت بثقافتي لأجد من يشد عضدي أو يواسيني في بعض المفاهيم حتى اصححها وتكتمل فكرا أو حالا فاذا بي اجدهم قادة في الجاسوسية للنظام القديم ولنظام جديد يعدون التقاير مقدما لاستقباله وهم أما مأجورين في ذلك أو مستخدمون وهم لا يعلمون .

محمد جلال عبدالرحمن











الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية!


عندما نقارن بين القانون وبين الشريعة، فإننا نقارن بين قانون عصري متغير متطور يسير حثيثاً نحو الشمول والكمال كما يقال، وبين شريعة نزلت من ثلاثة عشر قرناً لم تتغير ولم تتبدل فيما مضى ولن تتغير أو تتبدل في المستقبل.

ولا تصح المقارنة .. فالشريعة الإسلامية التي يصفها البعض بالقدم خير من القوانين الوضعية التي يصفها البعضُ بالحديث المتغير، وأن الشريعة الإسلامية على قدمها أعظم من أن تقارن بالقوانين الوضعية الحديثة ، ومهما أضيف لها من آراء ومستحدثات إلا أنها لا تزال في مستوى أدنى من مستوى الشريعة.

والمقارنات يجب أن تكون على دراسات علمية وحجج منطقية وليس على ادعاءات نظرية ، لأن الدراسة العلمية المبنية على المنطق والعلم تقتضيان القول بتفوق الشريعة الإسلامية على القوانين الوضعية وصلاحيتها لهذا العصر ولغيره ، فالقائلون بعدم صلاحية الشريعة لحاضرنا هم فريقان: فريق لم يدرس الشريعة ولا القانون، وفريق درس القانون دون الشريعة وكلا الفريقين ليس أهلاً للحكم على الشريعة لجهله بأحكامها جهلاً مطبقاً، ومن جهل شيئاً لا يصلح للحكم عليه ، ولا يجوز القياس بين الشريعة والقوانين الوضعية لأنه لا يجوز القياس بين مختلفين ، لأن القاعدة أن القياس يقتضي مساواة المقيس بالمقيس عليه ، فإذا انعدمت المساواة فلا قياس، و يكون القياس باطلاً.

والقائلون بعدم صلاحية الشريعة للعصر الحاضر يبنون رأيهم على قياس الشريعة بالقوانين الوضعية، ولا مساواة بين الشريعة وهذه القوانين ؛ فيكون قياسهم باطلاً ، وادعاؤهم بعدم صلاحية الشريعة للعصر الحاضر ادعاء باطلاً، لأنه بني على قياس باطل، وما قام على الباطل فهو باطل.

والشريعة تختلف عن القانون وتتميز عنه بصفات جوهرية ولأجل ذلك سأتعرض فيما يلي لمسألة نشأة القانون ونشأة الشريعة ووجوه الخلاف بينهما ومميزات كل منهما، وسيظهر ذلك حقيقة الفارق الجلي والواضح بين الشريعة والقانون لمن لا يحسن التفريق بينهما

أولا:

1- نشأة القانون:

ينشأ القانون الوضعي كالوليد صغيرا ثم ينمو حتى يبلغ أشده في الجماعة التي ينظمها ويحكمها ثم يتطور فتزداد قواعده ونظرياته كلما ازدادت حاجات الجماعة للتطور والنمو لذلك فالمجتمع هو الذي يخلق القانون الوضعي ويصنعه على الوجه الذي يسد حاجاته .

وعلماء القانون الوضعي عندما تحدثوا عن نشأته وظهوره قالوا : إنه بدأ يتكون مع تكون الأسرة والقبيلة، وإن كلمة رب الأسرة كانت قانونها ، وكلمة شيخ القبيلة كانت قانونها، وإن القانون ظل يتطور مع الجماعة حتى تكونت الدولة .

ومن أجل ما سبق تطورت القوانين الوضعية وأصبحت قائمة على نظريات لم يكن لها وجود في العهود السابقة ، وأساس هذه النظريات الحديثة العدالة والمساواة والرحمة والإنسانية مما أدى شيوع تلك النظريات في العالم إلى توحيد معظم القواعد القانونية في كثير من دول العالم، إلا أنه بقي لكل دولة قانونها الذي يختلف عن غيره من القوانين في كثير من الأمور لهذا فإن القوانين الوضعية لم تصل إلى ما هي عليه الآن إلا بعد تطور طويل بطئ استمر آلاف السنين.

2- نشأة الشريعة: لم تكن الشريعة قواعد قليلة ثم كثرت ولا مبادئ متفرقة ثم تجمعت، ولا نظريات أولية ثم تهذبت، ولم تولد الشريعة مع الجماعة ثم سايرت تطورها ونمت بنموها، وإنما وُلدت شابة مكتملة، ونزلت من عند الله شريعة كاملة شاملة جامعة للناس كافة ولم تأت لجماعة دون جماعة ، وانما الشريعة السامية التي استطاع علماء القانون الوضعي أن يتخيلوها بعقولهم وتطلعاتهم لكنهم لم يستطيعوا أن يوجدوها ولقد جاءت الشريعة من يوم نزولها بأحدث النظريات التي وصل إليها أخيراً القانون الوضعي مع أن القانون أقدم من الشريعة.

ثانياً القواعد :

1- القوانين الوضعية وضعت تتفق مع حال الجماعة المؤقتة فهي قواعد في مستوى الجماعة اليوم ومتخلفة عن الجماعة غداً ، لأن القوانين لا تتغير بسرعة تطور الجماعة ، وتستوجب التغير كلما تغيرت حال الجماعة ، لذا فالجماعة هي التي تلون القانون بعاداتها وتقاليدها وتاريخها ، والأصل في القانون أنه يوضع لتنظيم شئون الجماعة ، ولا يوضع لتوجيه الجماعة ومن ثم القانون متأخراً عن الجماعة وتابعاً لتطورها ، وهو من صنع الجماعة ليس العكس وإذا كان هذا هو الأصل في القانون من يوم وجوده، فإن هذا الأصل قد تعدل في القرن الحالي، وعلى وجه التحديد بعد الحرب العظمى الأولى، حيث بدأت الدول التي تدعو لدعوات جديدة أو أنظمة جديدة تستخدم القانون لتوجيه الشعوب وجهات معينة، كما تستخدمه لتنفيذ أغراض معينة.

فعلي سبيل المثال:

أسبق الدول التي أخذت بهذه الطريقة (روسيا الشيوعية، وتركيا الكمالية، ثم تلتهما إيطاليا الفاشستية وألمانيا النازية) ثم اقتبست بقية الدول هذه الطريقة، فأصبح الغرض اليوم من القانون تنظيم الجماعة وتوجيهها الوجهات التي يرى أولياء الأمور أنها في صالح الجماعة.

3- الشريعة الإسلامية: هي من صنع الله الذي أتقن كل شئ خلقه ولم تأت نظراً لتطور الجماعة كما هو حال القانون الوضعي وأنما أتت على سبيل الدوام لتنظيم أمور المجتمع .

لذلك فالشريعة تتفق مع القانون في أن كليهما وضع لتنظيم الجماعة، ولكن الشريعة تختلف عن القانون في أن قواعدها دائمة ولا تقبل التغيير والتبديل وتلك المزايا الموجودة في الشريعة تقتضي منطقا يميز الشريعة عن غيرها من القوانين الوضعية الا وهو تميزها بالمرونة والعموم حيث تتسع لحاجات الجماعة مهما تطورت الازمان والسمو والدقة بحيث لا تتأخر في وقت أو عصر ما عن مستوى الجماعة.

والحقيقة ان الفوارق كثيرة وما ذكرته قدراً هيناً وبسيطا وان ما يظهر عظمة التشريع الاسلامي ليس فقط العظمة التي يستمدها التشريع من عموم وشمول وسمو ذاتيته وخصوصيته التي يتمتع بها وانما من التطبيق ومسلك المسلمون اللذين تخاطبهم القواعد الشرعية وقدرتهم على الوسطية والعدالة .

تجدونه من خلا ل هذا اللينك بصحيفة المرصد 














التدين ليس نوعا واحدا


في ظل زحمة الافكار الواردة إلينا من الخارج وفي ظل هزات المسلمين في الداخل الناتجة عن أخطاءهم في التطبيق وعدم فهم القواعد الشرعية الفهم الصحيح.
على الرغم من كون الإسلام منهج حياة يزخر بكل ما يدل ويرتقي بطبيعة الإنسان في هذا الوجود بأحكام وتشريعات راقية في العدالة والمساواة والاخاء بشرط أن يقابلها تطبيقا يتتواكب مع ما اتى به التشريع وفي إطار حيزه .
والله عز وجل قد اعطانا تشريعا غاية في السمو والدقة وقد كرم الانسان االذي يخاطبه التشريع ، والحقيقة أن هذا العطاء السامي يجب أن يقابله من الإنسان الحكمة في التصرف والتعامل بمنهج الوسطية والاعتدال .
وفي شأن الحديث عن عظمة الاسلام وسموه وما عليه الوضع الراهن يجب ان اتناول أمر المطبقين .. خاصة أن الأسلام عند غير المسلم ينحصر في سلوك المطبقين وبما يتلقونه من احتكاكات ، نظرا لكون ذلك ناتجاً من شيء اساسي وهو تواجد الانسان بصفة عامة مسلما أو غير مسلم على ظهر هذا العالم .
وفي امر المطبقين يجب أن اتناول الدعاة على اساس كونهم اقصى منظور للتدين في مجتمعاتنا الاسلامية أو الفرد المسلم العادي الذي يزعم لنفسه أنه متديناً على اساس أن الداعي والمتدين .. كلاهما يتخذ افتراضاً قدوة يقتدي بها في اللفظ والفعل بما يفرخه ذلك للمجتمع لانواع من رجال التدين وليس نوعا واحدا يصح أن تقول معها أن هذا متديناً بوعي أو هذا متدينا باعتلال أو هذا متدينا بعنف.
ان الله تعالى ميز هذه الأمة ( أمة الإسلام ) بالوسطية بين الأمم فقال عز وجل )وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا( (البقرة: 143) فما أشد من خطراً على الإسلام من الرجال اللذين يظهروا تدينا معتلا وغير واعي يهدم ولا يبني فهو مقدمة لشرور كثيرة .
والتدين الصحيح هو صدق التوجه الى الله عز وجل بفطرة سليمة نقية من شوائب النفوس ، شوائب المغزى الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي في شكل يصل بعقدة التوحيد الى سهولة ويسر تظهر التسامح والتواصل والتراحم والتواضع لله تعالى والتواضع للناس.
وما احوجنا في ايامنا تلك الى التزام المنهج الوسطي القويم، فمضمون الاعتدال والاستقامة انهم وسط ما بين طرفين هما: الإفراط والتفريط ، خاصة وان الاسلام جاء ليلغي عبودية البشر للبشر سواء أكان مسلما أم غير مسلم ، وذلك في كل صورة من الصور.
فالاعتدال هو التوسط والتزكية وهي مناهج سامية رسخها الانبياء وأتباعهم ، والوسطية تعبر عن الوعي والادراك والاعتلال بالغلو وتجاوز الحد مصداقا لما ورد من السنة النبوية المطهرة وقوله r { إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ}.
فالاسلام المبني على التدين الصحيح الواعي لا يقصد به التعبد فقط بشعائر الدين ، ويكون الانسان في الحقيقة بعيد عن التطبيق الواعي للقواعد الشرعية ولكن التعويل دوما على التطبيق الذي يبنى اساسا على فرض الوسطية والمرونة واللين وليس على الشدة والغلظة والقسوة .
إلاّ أن هذا الفرض مخالفاً لما عليه الواقع ، وذلك بما يؤكده بعض هولاء الدعاة المعتلون وبعض المتدينون المعتلون نظرا لظاهرهم المعتل لفظا ً بالترهيب المستمر أو بالاعتلال في الفعل الذي يتمثل في توصيل الرساله بعنف مما يؤدي الى نتيجة واحده في النهاية .. وهي الخيبة في حمل موكب الدعوة الإسلامية وعدم وصولها الى أن يكون المسلم مسلماً واقعاً لا لفظاً ويتدين في التعامل مع الآخرين بالتدين الواعي وليس الى تدين معتل من نفس نوعية من اقتدى بهم أو سمع لهم ، ذلك الذي يؤدي الى اثارة الاحقاد والضغائن والمشاحنات ويبعد كل البعد عن الوسطية التي تعد مظهرا رئيسا من مظاهر الاسلام.
ومن الاعتلال أن يظهر البعض أن التدين مبني على الانعزال عن آراء الآخرين وحرياتهم والتشدد نحو افكار وآراء معينة تهدف الى الاحاطة بسياج واقي على فكرة او مطلب عقائدي للحفاظ على الاسلام والمسلمين ، وانما الاسلام من الوضوح الساطع في هذا المعنى - ومن العمق والقوة كذلك - بحيث يظهر أنه ليس هنالك أمل في انجاح المحاولات التي تصوره في صورة العقيدة الوجدانية المنعزلة عن واقع الحياة الانسانية .
ولا يجوز أن يكون التدين طارئا ، فيظهر على اساس مظلة قانونية وشرعية للأهداف بحيث يتم استدعاءه واحضاره في أي وقت لجني المكاسب الاقتصادية أو السياسية أو غيرها من مكاسب الدنيا ، وان ذلك يظهر معه الاسلام للمسلمين ولغيرهم بمثابة مستعمر اذا تمكن أهلك ويرعب ويذل ويطغى كالقوة المتوحشة .

محمد جلال عبدالرحمن

مقالي المنشور بصحيفة المرسد


البعض ممن شرفهم القدر واتاح لهم  التواجد والمشاركة في احداث ثورة 25 يناير ، وآخرين خرجوا الينا عبر الشاشات الاعلام المصري على انهم ابطال .. ذلك الاعلام الذي لم يتطهر الى الآن من خطاياه وسقطاته الفاضحة تجاه الوطن .

هولاء يعتقدون بعد الثورة  أنهم وحدهم - ولا غيرهم - أصحاب الولاء والانتماء الحقيقي وأن تواجدهم ومشاركتهم في الحدث .. قد أخذوا  توكيلا نتيجة لها من ابناء الوطن في التحدث باسمهم والزود عن قضاياهم داخلا وخارجاً .. ضاربين برغبات الآخرين عرض الحائط ، وكأن الثورة هدمت الفساد الوطني وشيدت الحريات بمعاول ايديهم ، واذا شاركهم الآخرون في رأى أو حرية من تلك الحريات ،  فأنها تهدم ويضل الوطن.

وحقيقة هذا المحور أود أن أتناوله واتحدث عنه على وجه الخصوص وأنبه على  خطورة هولاء على الوطن لانهم يعيدوا تكريس سياسات النظام السابق من جديد في ثوب آخر .. سياسة التدخل في شئون مصر والتوجيه السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي ، بمفهوم آخر مختلف يسمونه تعاوناً ودعم للديمقراطية يساعدهم عليه الغرب  ، وما ابعد هولاء عن الديمقراطية ! .. فهم لا يسعون الا لمصالحهم وقد رأينا ذلك عين الواقع في سلوكياتهم ونهجهم السياسي (الكيل بمكيالين ) تجاه المنطقة العربية  .

ذلك الشباب الذي يتاجر بالثورة على حساب الوطن ، وهم الآن يتطايرون بين جحور الثعابين والافاعي الصهيونية المندسة في كل لقاء بمشاعر مضطربه ورغبة في الظهور والشهرة على حساب الوطن ، هم الشباب الذين يقبلون الدعوات التي توجهها الاحزاب والحكومات الاوروبية اليهم ، بدعوى التمويل والاستعداد لتقديم مختلف صور العون للجماعات السياسية التى ظهرت أثناء الثورة .. تلك الدعوات التي وصفت مثلا فى الصحافة الفرنسية بأنها «تدريب لشباب الثورة فى مصر».

ولا ننكر أن هناك نوايا صادقة لكنه يجب الا ننكر ايضا أن أخطاء البشر ليس فرضاً أن تأتي بالعمد على وجه الدوام ، فقد يأتي الخطأ كما هو مألوف للجميع من حسنة نية او من غفلة ، فقد يقوم الانسان بجريمة وهو يظن انه يفعل شيء ما يحسن به الصنع ، وقد يأتي الانسان اثماً وهو يظن انه يقوم بعمل صالح وفيما اطرحه هنا فقد قد يخون الشاب وطنه بحماسة الاعمى الذي يأخذ ويتبنى اجندات وتوجيهات اطراف لا تريد الاّ مصر غربية الاتجاه ، بما يخدم مصالحها والا تكن مصر حرباً  ضروساً مقسمة بالطائفية وبالعديد من المشكلات ..

يحاولوا ان يقسموا الفكرة الوطنية التي تخالف مصالحهم ويعيدوا ترميمها لتلاقي مصالحهم وذلك من خلال تمويلاتهم المشروطة على هولاء الشباب ، بالتوجيه نحو الكثير مثل علمنة الدولة المصرية أوتأييد معاهدة كامب ديفيد والدفاع عن السلام مع إسرائيل ومعارضة سياسة حركة حماس وعدوانها وارهابها ـــ توحيد صف التيارات السياسية التى تتحالف ضد جماعة الإخوان المسلمين .

والحقيقة ان اصحاب تلك الدعوات يبحثون دوماً بكل عزم واصرار وخاصة في اوقات الازمات والانتصارات عن مدافع ومهاجم يتبنى تنفيذ اتجاهاتهم واجنداتهم ويندس في لحمة الوطنية المصرية ، بتواجده داخل العناصر الوطنية حزبيا أو سياسيا أو اقتصاديا او ثقافياً وها هم الان يتنافسون فيما بينهم عن موضع من خلال توجيه فكر هؤلاء الشباب نحوهم مستغلين حاجة مصر الاقتصادية .

أن من يقبل الدعوة ويستجيب ويقبض يكون بمثابة جاسوساً يذرعه الغرب في الجسد المصري .. جاسوسا من نوع اصبغ الشرعية على خيانته لوطنه وقضايا عروبته ، بالدعم والتعاون والتمويل من اجل شيء غير مشروع .. الأجندات مسطر بها كل التوجهات التي لا تبعد مطلقا عن سياسات النظام السابق بل تزيد ضراوة وضراوة في التنفيذ الجديد وآليته واعادة تكوينه من جديد .

فما اشد أن تزرع في قلب واهم مغتر زور ارادة الناس ورأى انهم وكلوه في قضايا الوطن ، وزراعة الغرب يعرفها الجميع حتى الاطفال في ارحام امهاتهم ، فهم يستخدمون حماسة وثقة هولاء الشباب بانفسهم والذي روج لهم اعلاماً كاذباً وحصر الثورة المصرية في فئة معينة ، متغافلا أن الله عز وجل الذي يحضر في السماء يرى بعيون قدرته التي لا تنام كم وحجم الفساد في عهد ذلك المخلوع مبارك ونظامة فقرر ان يطلق الشعب صرخاته فيسقط امبراطورية من عصابات طاغية.

ونهاية اقول لك من يقبل الدعوة عليه أن يأخذ معه حقيبة لحمل اموال التمويل ولا ينسى أن يأخذ معه اجندة افكار يقتل بها مصر مجددا ً بفكر التطبيع أو بفكر بيع المزيد من قضايا الوطن والعروبة تحت اى مفهوم او مسمى غربي ..ومن جانبي اقسم أنني لن اسامح في صوتي الذي زوره النظام السابق في كل انتخاب ولن اسامح في صوتي الذي زوره شابا من احد الشباب اللذين رأو في انفسهم انهم وكلاء عني وقبضوا ليمولوا الوطن مقابل أن يكونوا مبارك جدد ، وإنني اعد هولاء الشباب جواسيسا زرعوا على مرأى ومسمع الجميع باسم المشروعية ليقوموا بغير المشروع وهو عند الغرب مرن تمثله اجندة تتبعها اجندة.

بقلم / محمد جلال عبدالرحمن


لا شك أن ثورة 25 من يناير التي لهج بنظافاتها ونبلها عظات السياسيين بكل توجهاتهم والإسلاميين في كافة أحوالهم المتشدد منهم والميسر وتناولتها أقلام الكتاب وستتناولها على مر التاريخ العالمي المعاصر .. تعد ثورة عظيمة مهما ترتب عليها من نتائج سواء أكانت سلبية أم ايجابية وسواء ساعدنا القدر في أن نجني ثمارها أم لا ويكفينا من ثمارها أننا قطعنا رأس الأفعى وأنهينا حقبة سامة سممت الوطن في كافة المجالات . 
الثورة التي انطلقت من قاعة علمية عظيمة قاعة كلية الحرية .. تلك القاعة التي تواجدت فيها كافة طبقات الشعب الفقير منها والغني ولكنها حوت شبابا نبيلا ونخبة علمية لم يكن لها مطلب خاص ولا طموحات سوى رحيل ذلك نظام مبارك الفاسد الذي جثم على مقدرات الشعب وكاد أن يقضي عليه .أن الثورة المصرية في قاعتها العلمية التي تمثلت في ميدان التحرير شرحت شرحا مستفيضا ًللعالم كله مدى تأثير النبل والصدق الوطني من الثوار بقاعدة السلمية ومدى أهميتها في الحصول على الحرية .وفي أيامنا الراهنة وما تمر به البلاد من حالات التخوين والانقسامات الشديدة التي ظهرت في الساحة السياسية العامة إنما يعود سببها إلى أن الكثير منا ذهب إلى شوق ومطلب خاص في نفسه فترك ميدان التحرير وقاعة الحرية واتجه إلى موضع آخر تغيرت به نفسياته المخلصة واتجاهاته.نعم فمن الثوار من ترك الميدان وذهب في جلسات متداولة مع الأوروبيون كلا بحسب نيته وآماله ، وإنني انتقد ذلك بشدة لان معيار الثورية الوطنية الفعالة التي تبني ولا تهدم هي الثورية التي تستمد غضبتها من مقدساتها الدينية ومن موروثاتها القبلية والحضارية وليس من تعليم الأوربيون أو الغرب ، وإنني أقول ذلك ليس لشيء سوى لان الغرب إذ يعيرنا وعاءا لنأكل فيه إنما أعطانا إياه بسمومه التي نفسها فيه وما أشد سم الغرب على هولاء الثوار نظرا لحداثتهم بعالم السياسية الغربية التي أغرقت آفاتها حكامنا العرب بمخططاتهم بعيدة المدى والتي يفنى واضعوها ويصبحوا عظاما ويبقى مضمون أطماعهم في أذهان الحاضرين والغائبين من أبناءهم ويسعون لتنفيذها بحيل ومكر الذئاب .ومن الثوار من ذهب ليؤيد حزبا ظل ورقيا لسنوات طوال ووجد ضالته في القفز على الثورة وأصحابها ليجني المكاسب ، ومنهم من ذهب ليؤيد تياراً إسلامياً ينتمي إليه.. نعم ذلك التيار الذي خرج من صمت طويل ولديه القناعة التامة أن جسده اقتطع من كرسي الحكم فترة طويلة من الزمن وحرم منه والآن يجب الترتيب لإرجاع ذلك الحق والحصول عليه بعد الحرمان الطويل ، وكلا ذهب إلى غايته وجحد فضل ميدان التحرير ذلك الميدان الذي لم شمل جموع المصريين بكل طبقاتهم وتوجهاتهم السياسية المختلفة .تفرقت الميادين بالثوار فتفرقت أهدافهم وتحولت العديد من النوايا ، وظنوا أن جني ثمار الثورة آن أوانه واتجه الكثير للسعي وراء السلطة والأهداف الخاصة ، وليس من حل في وجهة نظري سوى أن نتمسك جميعا بالقاعة الوطنية وهي قاعة ميدان التحرير والتي من خلالها تحررنا وتخرجنا إلى العالم بأوضاع وطنية مختلفة وكريمة رتبت لنا على أي حال مصرا جديدة ننشد فيها كرامة لنا ولأجيالنا القادمة، ولابد أن يزاحم بعضنا البعض حتى يقف كلا منا داخل الميدان في توحد للجسد الوطني لينادي النخب من شباب ومثقفوا مصر الواعي الجميع إلى محاضرة جديدة في قاعة التحرير مفادها البناء لا إلى الهدم والتخوين ليلبوا نداء الوطن بكل صدق وإخلاص ، ففي هذا المكان تجمع الكل مخلصين للوطن ومن هنا سننتهي بحالة الفاعلية والبناء التي تبعد بنا عن حالة التخوين والاقتتال ..والحقيقة الراسخة في نفسي انه ليس من فضل لأحد بعينه على هذه الثورة ، فمن خرج بحالة الثورية المخلصة النقية مستجمعا عناصر الثورة للقضاء على النظام السابق الفاسد إنما هو من شباب هذا الشعب كافة بجميع أطيافه وطبقاته من شباب مصر المثقف والواعي .والحقيقة أن ما حزنت له شديدا هو ما صدر من احد أعضاء المجلس العسكري بإرجاعنا لنفس النظرة التي كان ينظر بها النظام السابق لأبناء الشعب وذلك بتصريح خرج من احد أعضاء المجلس العسكري الموقر الذي وصف فيه اللواء كاطو الشعب المصري في (كاجي وان) ، وأن المجلس الأعلى يعلمهم الديمقراطية ، والقول بذلك فيه إهانة وإقلالا من قدرة الشعب المصري وإنقاصا لدور المواطن المصري في صناعة تاريخه على مر العصور ، فالشعب لا ينكر فضل الجيش في حماية الثوار إعمالا لقوله تعالى " ولا تنسوا الفضل بينكم" لكن ليس من اللائق أن يخرج علينا احد أعضاء المجلس الأعلى الذي هو من الشعب بمثل هذا القول ، إضافة إلى أن سيادة اللواء الرويني قال بأن المجلس الأعلى أيضا يستمد سيادته من كونه جهة سيادية والقول بذلك ينافي التماس أول الطرق المؤدية إلى الحق والصواب وهو وجوب الاعتراف بسيادة الشعب، وبأنه مصدر كل شرعية وذلك بحسب ما جاء في نص الإعلان الدستوري الذي أصدره المجلس الأعلى للقوات المسلحة نفسه في المادة 3: السيادة للشعب وحده، وهو مصدر السلطات، ويمارس الشعب هذه السيادة ويحميها).إن مثل تلك التصريحات تدعوا إلى الفجوة والهوة بين الشعب من جهة والجيش من جهة أخرى وتؤدي إلى التأكيد على الانقسام الذي حدث بين أبناء الشعب المصري نتيجة لتزايد الاحتجاجات والمظاهرات التي تبدى تحفظها على تقصير المجلس أحيانا في بعض الأشياء وتدعو في أحيان أخرى إلى سرعة المحاكمات ومحاسبة الفاسدين من النظام السابق وأذنابه بما استتبع ذلك من مؤيد ومعارض للتظاهرات والتي كان أساسها نقد المجلس العسكري. والحقيقة أن ما أراه من وطنية المجلس العسكري لا يكفي معها فقط أن يتحرك المجلس بمفرده في كل شيء بأسلوب مبهم وغامض بدعوى المحافظة على الثورة وحتى تنول غاياتها، النبيلة والمشروعة كاملة ، وإنما يجب على المجلس أن يعود بالثوار إلى حالة العمل الجماعي , خاصة أن هناك من الأعمال والتكليفات الوطنية ما لا يتم إلا بجهد جماعي, وذلك لان الحياة مجملا لا تقوم إلا عبر التعاون بين الجميع, فلا يمكن أن يحقق الإنسان أكبر قدر من الفاعلية والبناء إلا بإتقانه فن الجماعية والتعاون الخلاق مع الآخرين ، وما أحوجنا في الوقت الراهن إلى العمل بروح الجماعة والتعاون البناء جيشا وحكومة وشعباَ في نفس الميدان الذي بدأت منه ثورتنا حتى نحافظ على الثورة من السرقة والضياع ، وان ذلك يحتاج إلى ضرورة التمسك بقاعة الحرية التي لا زالت تحوي النخب والوطنيين اللذين تعلمنا بروحهم الثورة على الفساد دون إتلاف وافتتان ، ولهذا أتساءل لماذا ترك الثوار الميدان ؟ ..محمد جلال عبدالرحمن http://gate.ahram.org.eg/User/Topics/3710/%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%A7-%D8%AA%D8%B1%D9%83-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%88%D8%A7%D8%B1-%D9%82%D8%A7%D8%B9%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D8%9F.aspx




مقالي المنشور بجريدة يناير (اللذين يعلمون ولا يعلقون )




محمد جلال عبد الرحمن يكتب :اللذين يعلمون ولم يعقلون ..‏
السبت, 06 أغسطس 2011 02:34
قد يصيبك سهم المفاجأة عندما ترى في طريقك وأنت على درب متاعب الحياة أن هناك من لم يقرأ أو يكتب من علوم الحياة ومسائله شيئا إلا إنك تراه قد أوتىَ من العلم والدراية ثم الخبرة والعقل الكثير ، ولديه من العدالة ما هو دقيق بما لا يترك أدنى شبهة في مظلمته للآخرين باللفظ أو الفعل .
وإنني اقصد بالعلم هنا روحه وليس علم الكلمات والمراجع الذي أتى من التلقين ، فمن الناس من تجده قد أتاه الله المنطق الذي يجعله يميز به ويرجح أن فعل ما ، يجوز أو لا يجوز حتى وان كان محل ما يجيزه في الكيمياء أو الفيزياء أو الرياضة ، فمثلا قد تجد رجلا قرويا بسيطا يميز في زراعاته ما يصح وما لا يصح دون دراسة ولا تلقين من عالم زراعي أو قد تجده يعقل في العمليات الحسابية ما لا يعقله معلم للرياضيات .
أو تجد شخصا قد أوتي روح الشريعة الإسلامية بسماحتها وتيسيرها دون أن يعلم أو يلقن بشيء من علومها بما يجعله أفضل من الدعاة اللذين درسوا وتعلموا وتلقنوا ولقنوا الناس دون أن يعقلوا عمق ما وصلت إليه الشريعة من سمو في الغاية أو الهدف فيناشدوا الناس بالرحمة واللين لا بالتنطع والغلظة .
وحقيقة الفارق بين رجل لم يتعلم ولم يدرس شيئاً لكنه يعقل وبين رجل درس وتعلم ولم يعقل هو أن الأول قد أخذ من التلقين والسماع من هذا وذاك الفاعلية والبناء أما الآخر قد اخذ من غيره الكلمات ولم يتوصل عقله إلى أن العائد من تعلم العلوم وتحقق مضمونها يقتصر على تنفيذها على النفس قبل مخاطبة الآخرين بها .
واقصد بالفاعلية تلك التي يفتقدها الكثير في أوطاننا وبسبب انعدامها يقع في أحيان كثيرة فشل المواطن والمسئول ، فما أكثر العلم بكافة مضامينه التي تلقى وتلقن على مسامع الناس في كل يوم بكافة الوسائل المرئية أو المسموعة أو المقرؤة لكن المأساة هي أن تلقن الناس العلوم دون أن تعلملهم كيف يعقلونها ثم يفعلونها وتصير في دائرة البناء والتنفيذ .
أن العبرة في نجاح الأمم بالفاعلية فهي التي تبني وليس بتلقين العلم مهما كان مضمونه سواء أكان شرعيا أو علميا من شخص إلى آخر ثم إلى شخص آخر أو حتى من مؤسسة علمية أو دينية إلى أخرى .
والحقيقة أن السبب الذي جعلنا نتعامل في أحيان كثيرة مع متدينا أو مهندسا أو طبيبا معتلاً هو أن تلقيهم للمعلومة كان من معتل نظر نظرة إقلال لأي علم يلقيه وذلك بقصره على الشق اللفظي وكأنه يملأ صدور الناس بخزائن الكلمات دون التطرق لكيفية تفعيلها في نفوس المعلمين أو المتعلمين بسوء الطرح الذي طرح به العلم وبذلك تجده أول من يطوله التقصير في التطبيق ، وذلك لأن القاعدة التي تعلمها لم تخاطبه في قلبه حتى يكون علمه وعمله متلازمان كالشخص والظل سواء ، وإنما خاطبت لسانه فتعلم كيف يحفظها فقط فمثلا بالنسبة للمتدين أو الداعية المعتل الذي يقول ولا يفعل ويطلب من الناس الصدق وهو غير صادق أن ذلك قد أخذ وتلقن علم الشريعة وحفظه دون أن يفهم كيف يتم تفعيله على نفسه أو كيف ينشد في الآخرين تفعيله عندما يعلمهم إياه وكذلك الطبيب وكذلك المهندس .
وهولاء يقول فيهم الشاعر عبدالله السلولي " إذا نصبوا للقول قالوا فأحسنوا ولكن حسن القول خالفه الفعل وذموا لنا الدنيا وهم يرضعونها أفاويق حتى ما يدر لها ثعــل" إذن فالمشكلة تكمن في أن هولاء قد علموا أو حتى تمكنوا من العلم دون أن يعقلوه ويعلقوا علم الآخرين به على الفاعلية التي هي مصدر الثواب والعقاب حتى عند الله عز وجل ، والدليل لذلك ما ورد عن السنة النبوية المطهرة فيما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى قال"إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة وإن هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة" وبهذا يكون الإسلام يقرر العقاب والثواب على الأفعال أو الأعمال وليس فقط مجرد الكلمات.
وإن الواقع يقرر أن مشكلاتنا كلها معلقة على التفعيل وضرورة ربط العلم بالعمل في جميع مجالات حياتنا بكل صورها في علومنا وفي عهودنا واتفاقاتنا ومن ينظر بطرف عينه يجد انه حتى القوانين والدساتير ينقصها التفعيل وربطها بالتفعيل وليس فقط بتشريعها . نعم ما أحوجنا للبناء الفكري في نفوس المتلقين بعد حالة الضعف في أوطاننا والتي أطبق عليها عزلة الفقر الفكري من ناحية ، وتكالب الشعوب الأخرى العاملة بكل جد واجتهاد والتي ترى من منظورها أن أطماعها فينا بل والسعي للقضاء علينا هي ملحقا من ملحقات النجاح والجد والاجتهاد .

إنهم كالخناجر في خصر الوطن


الوطنية قاعدة ملزمة في نفوس المخاطبين بها اي في نفس جميع المواطنين على أراضي الوطن إذ تستمد إلزامها وقوتها من قواعد الديانات السماوية كلاً بحسب ديانته أو بحسب منشأ التأصيل في نفسه فقد يكون الدين أو القانون الوطني أو كليهما معا ً أو قد يكون مقابل الوطنية هو النفع أو دفع الضرر .
والوطن يعرف في معجم المصطلحات السياسية الدولية : انه البلد الذي تسكنه أمة يشعر المرء بارتباطه بها وانتهائه إليها ، وقد ألف الجميع على معرفة المقابل لذلك في الحصر الحديث بالتجنس بجنسية دولة ما .
والحقيقة أن مفهوم الوطنية أختلف بشأن تعريفه وتحديده أغلب المناهج الفكرية ومن ضمن هذه التعريفات عرف البعض الوطنية بأنها : انتماء الإنسان إلى دولة معينة يحمل حنينها , ويدين بالولاء لها .
إلا أن الجميع يتفق على أن المفهوم العمومي الذي يعبر عن حالة الوطنية الصحيحة هو ( حب الوطن ) الذي قال عنه الأصمعي ( سمعت إعرابيا يقول : إذا أردت أن تعرف الرجل فأنظر كيف شوقه إلى أوطانه وتشوقه إلى إخوانه , وبكاؤه على ما مضى من زمانه.
والمشكلة لا تكمن في مفهوم الوطنية كتعريف ولكنها تكمن في مضمونها .. ما السلوكيات الواجبة على المواطن الصالح ليكون وطنياً صحيحاً ؟ ..
الكل يعلم ما هو الوطن وما هو مفهومه حتى وان جهله البعض لفظاً إلا انه معلوم بمضمونه بالضرورة لان الوطن حاله نعيشها ما حيينا كلاً بحسب بيئته أو نطاقه حتى نكون نهاية في وعاء يتوسط الوعاء الأكبر الذي يحتوي الجميع وهو الوطن .
ولا شك في أن الجميع قد صب في أذنيه منذ الصغر الكثير والكثير من القصص والحكايات التي تخلد في ذاكرتهم حب الوطن على آية حال سواء أكان في مصر أو في أي بلد آخر من البلدان العربية ، ولكن المشكلة اننا داخل الوطن العربي علمنا أبناءنا حب الأشخاص أو الأشياء دون أن نعلمهم ضابط السلوك الذي يصل بهم الى حب ينصف الوطن ويقدمه .
لا يختلف أحدا على أن كل من يعيش داخل وطن يأويه لا ينكر فضله عليه وحتى وان أنكر إلا انه لا يتمنى زواله.. لأنه الملجأ والملاذ الوحيد إليه فان لم يكن ملجأه الوحيد في تحقيق أحلامه إلا أن الوطن بات ملجأ في نفسه إلى نفسه وبات هو الضمير الذي ارتبط بالمولد والعادات والتقاليد والدين واللون وارتبط بالكثير من بنيته وتكوينه .
وفي رأي أن مجرد حب الوطن والانتماء إليه ليس فقط مبدأ به يقاس وطنية الأفراد أو الجماعات وإنما المقياس أحيله لتفعيل تلك المباديء التي تتسم بالمرونة السلوكية من شخص لآخر على الرغم من اتحادها في جميع الديانات السماوية وعند جميع الأجناس ، فالوطنية الصادقة هي الالتزام الداخلي نحو الوطن مما يجعل الإنسان يتبع القول بالعمل الجاد والمضني من اجل الوطن .


وان ما يحدث في مصر الآن من فرقة أوشكت على استحكام النفور بين أبناء الشعب تخالف الوطنية التي تبني وتسير في الاتجاه الصحيح فما أشد تأثيراً على الوطن من فرقة أبناءه فرقة تبني نجاحاتها على التخوين فيما بينها .
إن نظرية الاختلاف بين الناس متاحة ما دام البشر في حالة احتكاك وتجاور ولو كانت الحياة كلها وفاقاً لعاش جميع الناس في ميزان لا يعلم أشخاصه متى يفقدون ومتى يكتسبون وما مقدار علمهم ووزن شخصياتهم بل إن الاختلاف هو طريق جائز التماسه في مسيرة الحالية بحالتها وحريتها ، أما نظرية التخوين والتكفير والإقلال من حجم هذا لصالح ذاك ليست متاحة ولا جائزة في أي مجتمع يألف أصحابه وينشدون فيه الاستقرار .
أن مصر تحيا فترة اللين وفترة الشدة وتحيا فترة الضعف وفترة القوة وان هذا الوطن به حدا ًفاصلاً لابد أن يراه أبناءه ومواطنيه ويعلمونه جيدا يدركون من خلاله ما يجوز وما لا يجوز بحق لهذا الوطن حتى يرفعوا عنه مخافة العقلاء من السقوط في بئر الضياع والانزواء خلف الزمن المجهول .
ويجب أن يدرك الجميع أن مصر لقمة مرة وغير سائغة إذا توحدنا وستضيع ويضيع بنا الوطن إذا تفرقنا وتركنا كلا يعوي بمذهبه واتجاهه دون أن ينصت لنداء الوطن بوجوب الانصراف إليه نحو البناء ولا ننشغل بغيره عنه .
إن قيمة الوطن تاج على رأس كل مرابط فيه مهما كان سعده وشقاه ولا يدرك قيمته إلا عندما ينوي الرحيل أو ينتظر في رحيله عواء السفن والبواخر في كل ليلة يناقش فيها واقعه وواقع أحفاده القادمون فيما وصل إليه وطنه .
وأخيراً يجب أن يدرك أبناء الشعب المصري أمران :
أولا : أن وطننا ليس مجرد وطن قطري يقتصر على أشخاصه ولكنه وطن قومي بما عليه حقيقة روابطه العربية التي اشترك في نسجها عبر التاريخ والأزمنة بالنسب والدم المشترك واللغة المشتركة والمصلحة المشتركة
ثانيا : أن المتفرقون داخل الأوطان هم خناجر مسمومة في خصر الوطن ، إذا دبت في جسده اندست اثر جراحها أعداءه .
محمد جلال عبدالرحمن
مستشار قانوني